كشفت دراسة علمية حديثة نُشرت في دورية «بيوتروبيكا» (Biotropica) عن فرضية غير تقليدية لكنها مدعومة بالأدلة، تفيد بأن بعض الثعابين السامة، وعلى رأسها الكوبرا الملكية التي تعيش في جبال غاتس الغربية بالهند، قد تنتقل لمسافات بعيدة عبر شبكة السكك الحديدية دون قصد، لتجد نفسها في بيئات غير مناسبة لطبيعتها.
رصد على مدار 22 عامًا
واعتمدت الدراسة على تجميع وتحليل سجلات موثقة لعمليات إنقاذ أو اصطياد ثعابين، إلى جانب تقارير محلية جرى التحقق من صحتها، وذلك خلال فترة امتدت 22 عامًا (من 2002 إلى 2024) في ولاية غوا الهندية. وأسفر التحليل عن تحديد 47 موقعًا جغرافيًا سُجل فيها وجود الكوبرا الملكية، كان اللافت أن خمسة من هذه المواقع تقع بمحاذاة ممرات سكك حديدية مزدحمة.
الكوبرا في أماكن غير متوقعة
وأرفق الباحثون صورًا وحالات موثقة تُظهر وجود ثعابين داخل أو قرب القطارات، من بينها حالة لكوبرا ملكية عُثر عليها أسفل رصيف محطة قطار في منطقة غير ملائمة بيئيًا لهذا النوع، وأخرى خرجت من بين أكوام قضبان سكك حديدية مخصصة لأعمال الصيانة، فضلًا عن تسجيل وجود كوبرا هندية على نافذة قطار ركاب متحرك.
مقارنة بين الموائل الطبيعية والمواقع المسجلة
واستخدم الفريق البحثي نموذجًا بيئيًا لرسم خريطة الموائل الأنسب للكوبرا الملكية، بالاعتماد على عدة عوامل، من بينها المناخ، وكثافة الغطاء النباتي، ومدى التأثير البشري. ثم قارن الباحثون بين المناطق التي يتوقع النموذج أنها الأكثر ملاءمة، وبين المواقع التي وردت منها بلاغات الإنقاذ الفعلية.

وأظهرت النتائج أن الموائل المثالية للكوبرا الملكية في غوا تقع غالبًا داخل الولاية بعيدًا عن الساحل، في مناطق غابية قريبة من مجاري المياه، بينما بدت المواقع القريبة من السكك الحديدية التي وُجدت فيها بعض الثعابين أقل ملاءمة بكثير، إذ تتسم بالجفاف، وضعف الغطاء النباتي، وندرة المخابئ والفرائس، ما يعزز فرضية أن وجود الكوبرا هناك ناتج عن انتقال غير مقصود وليس اختيارًا طبيعيًا للموطن.
كيف تنتقل الثعابين عبر القطارات؟
ولا يفترض الباحثون أن الثعبان “يقصد” السفر، بل يرجحون أن بيئات محطات الشحن وساحات صيانة السكك الحديدية، التي تعج بأكوام الأخشاب والقضبان والمخلفات، قد تشكل بيئة جاذبة توفر مأوى مؤقتًا وفرائس مثل القوارض أو الثعابين الأخرى.
ومع اختباء الثعبان داخل عربات البضائع أو بالقرب منها، قد يُنقل لمسافات طويلة قبل أن ينزل في محطة لا تتوافر فيها شروط بقائه.
دور التكنولوجيا في كشف الظاهرة
وأشار الباحثون إلى أن انتشار الهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي ساهم في زيادة توثيق مثل هذه الحوادث خلال السنوات الأخيرة، ما أتاح بيانات أوفر لرصد الظاهرة وتحليلها علميًا.
مخاوف تتجاوز البيئة
ولا تقتصر أهمية الدراسة على الجانب البيئي فقط، بل تمتد إلى السلامة العامة؛ إذ إن وجود ثعبان شديد السمية داخل قطار قد يثير الذعر بين الركاب، ويزيد احتمالات الإصابة أو القتل المتبادل، كما قد يدفع البعض إلى قتل الثعبان بدل التواصل مع فرق الإنقاذ، وهو ما يشكل ضغطًا إضافيًا على نوع مصنف بالفعل على أنه مهدد.
ودعا الفريق البحثي إلى تعزيز دور فرق إنقاذ الثعابين، وتكثيف برامج التوعية العامة، إلى جانب توسيع شبكات الرصد والتوثيق المنهجي للبلاغات، بما يساهم في تقليل الاحتكاك بين البشر والثعابين، والحد من نقلها غير المقصود عبر البنية التحتية للسكك الحديدية.

