• Home  
  • مصطفى عبدالستار يكتب: عندما يصير حبُ مصر لعنةً مدهشة
- كتّاب الانفراد

مصطفى عبدالستار يكتب: عندما يصير حبُ مصر لعنةً مدهشة

ذهبت مسرعًا أفتش في مكتبتي وأوراقي كالمجنون يبحث عن ضالته، حتى وجدتها، فهدأ روعي وسكنت، وبدأت أتفحصها بعين الهائم المحب المذهول من جمال الرسم.. كانت هذه اللوحة للمستشرق ديفيد روبرتس بعنوان “مقابر بني حسن” “لقد ألهمت مصر القديمة شعوب الأرض قاطبة، ومن ضفاف النيل انطلقت أنوار الحكمة لتضيء طريق الحضارة والتقدم الإنساني”.. هذه الفقرة من […]

ذهبت مسرعًا أفتش في مكتبتي وأوراقي كالمجنون يبحث عن ضالته، حتى وجدتها، فهدأ روعي وسكنت، وبدأت أتفحصها بعين الهائم المحب المذهول من جمال الرسم.. كانت هذه اللوحة للمستشرق ديفيد روبرتس بعنوان “مقابر بني حسن”

“لقد ألهمت مصر القديمة شعوب الأرض قاطبة، ومن ضفاف النيل انطلقت أنوار الحكمة لتضيء طريق الحضارة والتقدم الإنساني”.. هذه الفقرة من خطاب الرئيس في افتتاح المتحف المصري الكبير وظلت تتردد في رأسي كثيرًا منذ يوم الافتتاح، وكأنها لمست في نفسي جزءًا من حبها لمصر وآثارها وحضارتها الممتدة عبر الزمن.

مصر ألهبت حواس كل من رأها، عربًا وعجمًا. كل من زارها سحره سحر خاص جعل روحه وعقله أسيرين لجمالها، حتى أبناؤها الهائمون بجمالها قد تظن أنها ألقت عليهم لعنة الحب والعشق، ولعل هذا السحر لم يقتصر على الابهار فحسب بل تجاوز الى الشعور بالغيرة، حتى نرى أننا قد نصبنا أنفسنا حراسًا عليها. فإذا قال قائل شيئًا عن آثارها، ترانا قد تحسس كل منا أفكاره ودفاعاته وحبه كضابط تحسس سلاحه للدفاع أو الهجوم.

حكايات المستشرقين عن مصر

وما أقربها من أمثلة لهذا السحر والتملك هم المستشرقون الذين زاروا مصر وكتبوا عنها، حتى أنهم رسموا مشاهد الحياة اليومية لذهول ما شاهدوا وما ألقي في أنفسهم من سحرها، وهم كثر: ديفيد روبرتس، كارل فيرنيت، وبريس دافن، وغيرهم كثير.

كثيرًا ما كنت مغرمًا بلوحات ورسومات المستشرقين عن مصر، حتى أنني بدأت في تجميع ما يقع تحت يدي في الأسواق منها. وفي اللحظات التي كانت تتردد في ذهني هذه العبارات، تذكرت مكتبتي وما تحتويه من رسومات ولوحات، وتذكرت أنني أملك لوحة ما، أظنها كانت سببًا من أسباب تملك هذه الفقرة مني طول هذه الأيام وما كانت تخالجني من شعور عند ترددها في أذني، كأني أسمعها كل مرة كأول مرة، ولها نفس المذاق في أذني.

مقابر بني حسن

لوحة “مقابر بني حسن”

ذهبت مسرعًا أفتش في مكتبتي وأوراقي كالمجنون يبحث عن ضالته، حتى وجدتها، فهدأ روعي وسكنت، وبدأت أتفحصها بعين الهائم المحب المذهول من جمال الرسم. كانت هذه اللوحة للمستشرق ديفيد روبرتس بعنوان “مقابر بني حسن” (The Entrance to A Tomb at Bani-Hassan).

روبرتس هو مستشرق ورسام اسكتلندي اشتهر برسوماته عن مصر وسيناء والأراضي المقدسة في رحلته التي قام بها بين 1838-1840، كما استقبله محمد علي باشا الكبير في قصره بالإسكندرية ورسم لوحته مقابلة مع محمد علي باشا (Interview with Mehmet Ali Pacha in His Palace at Alexandria)، وهو رسام الباشا المفضل. بدأت رحلة روبرتس في مصر من الإسكندرية إلى أسوان، وموثقًا فيها كثيرًا من آثار مصر الإسلامية والفرعونية.

رحلة روبرتس في مصر

خلال يوم 8 إلى يوم 11 أكتوبر 1838، وصل روبرتس إلى بني سويف خلال رحلته الممتدة على طول وادي النيل. وصف روبرتس المنطقة في مذكراته قائلاً إن رحلته لبني سويف بدأت من ليلة السابع من أكتوبر بالبعوض الذي أزعجه بشدة خلال سفره، والذي اضطر للتأقلم معه. وكانت الأيام الأولى الأجواء خالية من الرياح، مما اضطر الطاقم لاستعمال المجاديف، ووصف الأجواء بأنها كانت تمر ببطء ورتابة، حيث كانت الأرياف عبارة عن سلسلة متواصلة من التلال، يكسر حدتها بعض حقول الذرة وقرى فقيرة من الطين المجفف بأشعة الشمس، أو بساتين كثيفة من أشجار النخيل.

مقابر بني حسن

حتى وصل بني سويف ورست السفينة في اليوم التاسع من الشهر، واصفًا أن هذا اليوم كان من أيام السوق وكان مزدحمًا مزدهرًا. وصف روبرتس الحشود بإعجاب، وذكر النساء اللواتي كن يرتدين فساتين قطنية زرقاء نيلة طويلة على تعبيره، ويحملن سلالًا من الفاكهة أو أقفاصًا من الحمام فوق رؤوسهن، بينما كان الرجال يسوقون قطعانًا من الماعز والأغنام أمامهم. هذا المشهد وصفه روبرتس بأنه مشهد خلاب.

في اليوم الثاني رست قارب روبرتس في مدينة سينوبوليس، وبعدها توجه إلى قرية (أوناسه – Onaseh)، واعتقد من خلال البحث أنها اهناسيا، ولاحظ فيها روبرتس أن السكان لا يدفنون الموتى، بل يضعون الجثث في تجاويف صغيرة من الطوب غير المحروق، وقد تضررت هذه القبور وتناثر منها العظم الأبيض ملفوفًا ببقايا أثواب الدفن في كل مكان. ويرى روبرتس أن سبب هذه الطريقة في الدفن هو أن القبور كانت ستغمرها المياه عند فيضان النيل بشكل دوري.

قضى روبرتس هذه الليلة في المنيا، ووصف أطلال مسجد جذاب في وسط المدينة بأعمدة رخامية، لكنه لم يزد في الوصف عن هذا. في اليوم التالي انطلق روبرتس في رحلته حتى وصل بني حسن، حيث رسم آثارًا قديمة.

مقابر بني حسن

وقد سميت المقابر الصخرية في هذه المنطقة على اسم قبيلة عربية احتلت عددًا من القرى المجاورة. وتعتبر المقبرة ذات أهمية كبيرة ليس فقط لهندستها المعمارية، ولكن أيضًا للمشاهد الرائعة للحياة المنزلية التي تزين جدران المقبرة. أما القبر الذي رسمه روبرتس فهو قبر الملك أمينمس، والذي تعرض واجهته لعمودين دوريين بدائيين، ورسم لوحته بعنوان “مقابر بني حسن”.

والتي ظللت أنظر إلى نسختها التي أمتلكها كثيرًا، حتى ظننت أن عقلي ربما يذهب من كثرة اندهاشي الذي لا يفتر كلما نظرت إليها، وقررت أن أعيدها إلى مكان حفظها، وفي نفسي غبطة من يملك جوهرة لا يريد أن يظهرها للعالم. إنه حب الجمال الذي يأسر النفس البشرية في طبيعتها المجردة، ولكن لمثل هذا الجمال لا يمكن استئثاره، فمشاركته تزيده جمالًا وإشراقًا. ربما حينها أدركت أن حب مصر ليس مجرد انتماء، بل لعنة جميلة تورثنا الدهشة كلما تأملنا وجهها الخالد في مرآة التاريخ.

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة لموقع «الانفراد» لعام 2025