تعد حمى البحر المتوسط وأعراضها من أكثر الاضطرابات الوراثية غموضاً، فالمرض لا يظهر بشكل دائم، ولا يمكن التنبؤ به بسهولة، بل يصاب به المريض في شكل هجمات مفاجئة من الحمى والآلام الحادة، تمتد ساعات أو أياماً قليلة ثم تختفي من دون سابق إنذار.
ويعيش كثير من الأطفال والشباب رحلة طويلة قبل الوصول إلى التشخيص الدقيق، بسبب تشابه نوبات المرض مع التهابات شائعة في الجهاز الهضمي أو الصدري، هذه الصورة المتقلبة جعلت حمى البحر المتوسط وأعراضها محور اهتمام الأطباء والباحثين، خصوصاً في المجتمعات التي يشيع فيها المرض.
ورغم قدم المرض وانتشاره، إلا أن الوعي به ما زال محدوداً لدى كثير من الأسر، مما يؤدي إلى تأخر التشخيص وظهور مضاعفات يمكن تفاديها بسهولة إذا جرى التعامل معها مبكراً، لذلك نرصد لكم كل ما تريد معرفته عن حمى البحر المتوسط خلال التقرير التالي.
حمى البحر المتوسط وأعراضها
تصنف حمى البحر المتوسط ضمن أمراض الالتهاب الذاتي، وهي مجموعة من الاضطرابات التي ينشط فيها جهاز المناعة بصورة غير مبررة، فعلى عكس الالتهابات التقليدية الناتجة عن البكتيريا أو الفيروسات، تندلع نوبات المرض دون وجود عامل خارجي واضح، وكأن الجسم يدخل معركة غير موجودة أصلاً.
وتظهر هذه الأعراض عادة على شكل حرارة مرتفعة وآلام شديدة في مواضع مختلفة من الجسم، وبين كل نوبة وأخرى، يعود المريض إلى حالته الطبيعية تقريباً، مع فحوصات قد تبدو سليمة، وهو ما يعقد التشخيص في المراحل الأولى.
يرتبط المرض بطفرات في جين MEFV المسؤول عن إنتاج بروتين “بيرين”، وهو عنصر مهم في تنظيم عملية الالتهاب داخل الجسم، وعندما يتعرض هذا الجين لخلل، يصبح الجسم أكثر عرضة لردود فعل التهابية حادة، تظهر على شكل نوبات متكررة.
وينتقل المرض وفق النمط المتنحي؛ أي أن الطفل يحتاج إلى نسختين مصابتين من الجين كي تظهر عليه الأعراض، ولهذا ترتفع نسب الإصابة في المجتمعات التي تنتشر فيها الزيجات القريبة أو التي تتوارث الطفرات نفسها عبر أجيال متعددة، وتعد طفرات مثل M694V وV726A وE148Q من أكثر الطفرات انتشاراً، وغالباً ما ترتبط بشدة أعراض المرض واحتمالات حدوث المضاعفات.
أعراض حمى البحر المتوسط
لا تظهر حمى البحر المتوسط بشكل مستمر، بل تأتي في شكل أعراض متقطعة تختلف مدتها وحدتها من شخص لآخر، ومن أبرز الأعراض:
1- ألم البطن
يعد أكثر الأعراض شيوعاً، وغالباً ما يكون شديداً لدرجة تستدعي زيارة الطوارئ، يرافقه شعور بالإجهاد وارتفاع في درجة الحرارة.
2- الحمى
ترتفع بسرعة في بداية المرض وقد تصل إلى 40 درجة، لكنها تختفي بمجرد انحسار الهجمة، مما يجعلها عرضاً متقطعاً وغير مستمر.
3- ألم الصدر
يحدث نتيجة التهاب في الغشاء المبطن للرئتين، يزيد الألم مع الشهيق العميق، وقد يسبب شعوراً بالاختناق.
4- التهاب المفاصل
يحدث في المفاصل الكبيرة، خصوصاً الركبتين والكاحلين، وقد يستمر التورم لأسابيع، حتى بعد انتهاء النوبة.
5- الطفح الجلدي
يظهر أحياناً تحت الركبتين على شكل بقع حمراء مؤلمة.
6- أعراض إضافية
مثل آلام العضلات، وتورم الصفن لدى بعض الذكور، والتعب الشديد قبل النوبات.
يمر المصاب بفترات تختفي فيها الأعراض بالكامل، وقد تمتد لأسابيع أو أشهر، وهذا التباين بين النوبات والسكون يجعل المرض يبدو غير واضح المعالم، خصوصاً عندما تبدأ الأعراض في سن مبكرة، ورغم ذلك، عادة ما يساعد تكرار النوبات وفق نمط ثابت على الوصول إلى التشخيص مع الوقت.
علامات تنذر بضرورة زيارة الطبيب
تتطلب الحالات التالية استشارة طبية عاجلة، يتمثل أبرزها في التالي..
• تكرر الحمى بشكل غير مبرر
• آلام شديدة ومفاجئة في البطن أو الصدر
• تورم مفصل أو صعوبة في الحركة
• وجود قريب مصاب بالمرض
• استمرار الأعراض لفترة أطول من المعتاد
فالتشخيص المبكر قد يمنع مضاعفات خطيرة من بينها الفشل الكلوي.
مضاعفات حمى البحر المتوسط
مع غياب العلاج، قد يقود المرض إلى مضاعفات مؤثرة، أبرزها:
1- الداء النشواني
وهو تراكم مادة “أميلويد” في الأعضاء، خصوصاً الكلى، ما يؤدي إلى فقدان البروتين عبر البول وتورم الجسم، وقد يصل الأمر إلى الفشل الكلوي.
2- تلف المفاصل
قد تتحول الهجمات المتكررة إلى التهاب مزمن يسبب ضرراً دائماً.
3- اضطرابات الخصوبة
بسبب الالتهابات المتكررة وارتفاع الحرارة، خصوصاً لدى الذكور.
4- التهابات في الأعضاء الداخلية
مثل القلب والرئتين، لكنها نادرة.
وتتراجع احتمالات حدوث هذه المضاعفات بشكل كبير عند الالتزام بالعلاج.
علاج حمى البحر المتوسط
يعد القولشيسين العلاج الأساسي للمرض، وهو دواء معروف منذ عقود ويمنع النوبات بدرجة كبيرة، إذ:
• تختفي الاعراض عند أغلب المرضى تماماً
• تنخفض حدتها عند نسبة أخرى
• تتحسن وظائف الكلى وتتراجع مؤشرات الالتهاب
• تقل نسبة الإصابة بالداء النشواني إلى حد شبه معدوم
وغالباً ما تكون أعراضه الجانبية محدودة، مثل اضطرابات المعدة.
كما تبشر الأبحاث الحديثة بعلاجات بيولوجية تستهدف مسارات الالتهاب مباشرة، وتفيد الحالتين المقاومتين للقولشيسين.
يعتمد الأطباء على وصف النوبات وتاريخها ومدتها وفترات تكرارها، إضافة إلى الفحوص المخبرية خلال الهجمات، التي تظهر عادة ارتفاعاً في مؤشرات الالتهاب، ويأتي الفحص الجيني كأداة داعمة، لكنه ليس شرطاً، خصوصاً في الحالات التي تتطابق أعراضها مع الصورة الإكلينيكية للمرض.
اقرأ أيضًا.. علاج القولون العصبي بخطوات بسيطة.. و12 نصيحة للوقاية منه
هل يمكن التعايش مع المرض؟
يمكن لمعظم المرضى أن يعيشوا حياة طبيعية بشرط اتباع الإرشادات الأساسية:
• الالتزام بالقولشيسين يومياً
• مراقبة وظائف الكلى دورياً
• تجنب المجهود الشديد أثناء ظهور الأعراض
• تسجيل مواعيد النوبات وأنماطها
• طلب الاستشارة الجينية عند التخطيط للإنجاب
الأكل الممنوع لمرضى حمى البحر المتوسط
في حمى البحر المتوسط العائلية (FMF) لا توجد قائمة ممنوعات رسمية وثابتة، لكن الأطباء عادة يوصون بنمط غذائي يساعد على تقليل الالتهاب وتخفيف نوبات الألم ودعم الصحة العامة.
ينصح مرضى حمى البحر المتوسط بالابتعاد عن مجموعة من الأطعمة التي قد تساهم في زيادة الالتهاب أو تحفيز النوبات لدى بعض المرضى، رغم أن تأثير الغذاء يختلف من شخص لآخر.
من أهم الأطعمة التي يجب الحد منها الأكلات الغنية بالدهون المشبعة مثل المقالي، السمن الحيواني، اللحوم الدسمة، والوجبات السريعة، لأنها قد تزيد من نشاط العمليات الالتهابية في الجسم.
كما يفضل الابتعاد عن السكريات المكررة الموجودة في الحلويات، المشروبات الغازية، والمعجنات المحلاة، إذ يؤدي الإفراط فيها إلى ارتفاع الالتهاب وتراجع القدرة على ضبط النوبات.
وتعد الأطعمة المعلبة والمصنعة من الخيارات غير المناسبة، فهي غالباً تحتوي على كميات مرتفعة من الملح والمواد الحافظة، مما قد يسبب احتباس السوائل ويزيد من الإجهاد على الجسم خلال النوبات، كذلك ينصح بتقليل استهلاك الأطعمة المالحة جدًا مثل المخللات واللحوم المعالجة، إضافة إلى الوجبات الغنية بالتوابل الحارة التي قد تهيج الجهاز الهضمي لدى بعض المرضى.
كما يستحسن الحد من تناول البقوليات الثقيلة مثل الفول والحمص بكميات كبيرة إذا كانت تسبب انتفاخات لأنها قد تزيد من الشعور بعدم الارتياح خلال فترات الالتهاب، أما منتجات الألبان كاملة الدسم فيفضل استبدالها بخيارات قليلة الدسم لتقليل العبء الدهني على الجسم.
ورغم كل ذلك، يجب التأكيد على أن استجابة الأفراد تختلف، لذا يفضل مراقبة الأطعمة التي تثير النوبات لكل مريض، مع اتباع نظام غذائي متوازن والالتزام بالعلاج الطبي الموصوف.
المصادر
https://www.emro.who.int/index.php

